قراءة تحليلية في شأن الاستحقاقات التشريعية : 23 شتنبر 2026

قراءة تحليلية في شأن الاستحقاقات التشريعية : 23 شتنبر 2026

من إعداد : حفيظ حنين
دكتور في العلوم السياسية والقانونية
مقدمة :

تعد الانتخابات التشريعية إحدى الآليات الجوهرية للتعبير الديمقراطي وتداول السلطة وتجديد النخب ، كما تعتبر استحقاقات 23 شتنبر 2026 مرحلة متجددة من البناء المؤسساتي والديمقراطي للمغرب الصاعد، ومحطة وطنية ذات رمزية في مسار تعزيز دولة الحق والقانون وتكريس الخيار الديمقراطي باعتباره ثابتا من الثوابت الدستورية ، وبقدر ما يشكل هذا الموعد الانتخابي فرصة للتقييم ، فإنه يعتبر محطة فاصلة لمعالجة بعض الإشكاليات التي تواجه المشهد الحزبي والسياسي بشكل عام ، خاصة ما يتعلق بتجديد النخب والتشبيب والرفع من التمثيلية النسائية داخل البرلمان ، فضلا عن انتخاب نخب برلمانية تمتاز بسياسة القرب وتمتلك المشروع الانتخابي الممكن أن يساهم في تقديم الحلول الناجعة للاختلالات البنيوية التي تواجهها بعض الجهات والقطاعات الاجتماعية كالتعليم والصحة والشغل والهجرة…
كما تجدر الإشارة إلى كون هذه الاستحقاقات ستجرى في سياق وطني متسم بالكثير من المستجدات ، أهمها تنزيل مبادرة الحكم الذاتي والاستعداد لتنظيم تظاهرة كأس العالم 2030 ، فضلا عن التحديات الاقتصادية والاجتماعية كالتضخم والبطالة وغيرها . هذا وقد أفضى إصلاح 2021 إلى إعادة تشكيل الخريطة الحزبية الوطنية، من هيمنة حزبية أحادية إلى تعددية حزبية مهيمنة .
وعلى المستوى الجهوي ، تشكل جهة فاس ـ مكناس نموذجا ذا دلالة ، نظرا لتنوعها السوسيو- اقتصادي وثقلها التاريخي والحزبي ، لذا يطرح العديد من المهتمين، تساؤلات جوهرية حول مستقبل البلاد من خلال حصاد هذه الاستحقاقات ، نرى أن نصوغها كالآتي: إلى أي مدى تشكل الاستحقاقات التشريعية 2026 استمرارا لمنطق “الهندسة الانتخابية أو تصميم التهيئة الانتخابي” على المستوى الوطني ؟ وكيف تتجلى انعكاسات هذا المنطق وتحدياته على مستوى الحكامة والتمثيلية على مستوى جهة فاس – مكناس ؟
وهي الإشكالية التي نلجها ابتداء بوضع ثلاث فرضيات قبل أن نتطرق إلى معالجتها من خلال محورين.
1 – الفرضية الأولى : ستعمل السلطة على الإبقاء على قواعد اللعبة الانتخابية لسنة 2021 لضمان تعددية من متحكم فيها ومنع بروز أغلبية مطلقة .
2 – الفرضية الثانية : سيعاني المشهد الحزبي وطنيا وجهويا من أزمة تمثيلية تتجلى في عزوف الشباب وهشاشة الائتلافات.
3 – الفرضية الثالثة : ستكون جهة فاس – مكناس مختبرا لصراع ” داخل الائتلاف ” أكثر منه بين الأغلبية والمعارضة.
العـــــــــــــرض
المحور الأول : الاستحقاقات التشريعية 2026 على المستوى الوطني : الهندسة القانونية وأزمة التمثيلية .
المحور الثاني : تجليات الاستحقاقات التشريعية 2026 على المستوى الجهوي ، جهة فاس – مكناس نموذجا .

المحور الأول : الاستحقاقات التشريعية 2026 على المستوى الوطني :
الهندسة القانونية وأزمة التمثيلية
لعل ما يراه ويستنتجه المختصون في الشأن السياسي من الناحية العلمية والأكاديمية ، هو على خلاف ما يعيشه الإنسان العادي في قراءته للمشهد السياسي المغربي، وهاته الرؤيا العلمية هي ما ينطلق منها هذا المحور من خلال ما يسمى ” الهندسة الانتخابية ” في الأنظمة شبه التعددية ، الذي طرحته الباحثة الإسبانية ” Inmaculada Szmolka” كما غيرها من القراءات الأكاديمية ( المبحث الأول) الشيء الذي ينعكس على المشهد الحزبي من خلال مجموعة من الخلاصات المستخلصة من الواقع ( المبحث الثاني) .
المبحث الأول : انتخابات 23 سبتمبر 2026 : أهم القراءات الأكاديمية والمنهجية العلمية.
تقتضي مقاربة موضوع انتخابات 23 شتنبر 2026 الجمع بين التحليل النظري المؤسس على المرجعيات الدستورية والأدبيات الأكاديمية وبين القراءات الميدانية للتجارب الحزبية والسياسية .
المطلب الأول: المشهد الحزبي المغربي ( الإطار النظري) .
تتعدد في هذا الإطار النظريات والرؤى التي تحلل واقع وآفاق استحقاقات 23 سبتمبر 2026 من خلال كل الزوايا التي تنطلق منها هذه المدارس.
1 – مدرسة ” الهندسة الانتخابية ” : للكاتبة ” Inmaculada Szmolka”
فالباحثة الإسبانية تنطلق هنا من أطروحتها الأساسية وهي أن النظام الانتخابي المغربي يشتغل بخطة ” تجزئة مهندسة ” لمنع أي أغلبية مطلقة وذلك من خلال عدة معطيات اعتمدتها المحللة السياسية ، تؤكد طرحها حسب زعمها وهي :
* قانون 2021 : فهي ترى أن هذا القانون يقوم بتوزيع المقاعد على أساس المسجلين وليس المصوتين ، مما يؤدي إلى رفع العتبة أمام الأحزاب الكبرى وحرم أي حزب أغلبي من الاستحواذ على الأغلبية المطلقة بالبرلمان أو بالأحرى بمجلس النواب، وهو ما حدث بالفعل في انتخابات 2021.
* النتيجة : على أرض الواقع كان لهذا القانون نتيجة هي الانتقال من هيمنة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات السابقة على سنة 2021 إلى نظام متعدد الأطراف وذلك بالتوازن نسبيا ما بين الأحزاب الثلاث ( التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال) وهو نفس السيناريو الذي تتوقعه الكاتبة الإسبانية إذ أن النظام سيحافظ على نفس القواعد لضمان عدم حصول أي حزب على أغلبية ساحقة، وهو ما يجعل هذه العملية المتحكم فيها تضمن التوازن ولا تؤدي إلى الاستفراد بالصدارة .
2 – مدرسة ” أزمة الحوكمة ” أو الائتلافات الهشة .
( crise de gouvernance ou coalitions fragiles)
باعتماده لمنهج تحليلي سوسيولوجي وقانوني للتدبير المحلي ، يعتمد هذا التيار العديد من الملاحظات والإشارات والتي تعتبر سلبية لكل مشهد انتخابي يعتمد التعددية على مستوى صدارة مجلس النواب، هذا وإن كانت هذه النظرية قد أصابت على المستوى المحلي أو على صعيد الجماعات الترابية التي تعرف الهشاشة على مستوى الائتلافات المحلية وينتج عنها في الغالب مشاكل جمة على مستوى التسيير والتدبير المحلي إلا أنها تبقى نسبية بالنسبة للسلطة التشريعية أو البرلمان إذ أنه رغم التعددية على مستوى الأغلبية إلا أن الملاحظ هو انسجام هذه الأخيرة نسبيا على مستوى تدبير الشأن التشريعي والحكومي .
3- مدرسة أو نظرية ” أزمة التمثيلية ” Crise of représentation Theory ومن روادها (Bernard Marin) ، وتتمثل الفكرة الأساسية لهذه النظرية في كون الأحزاب السياسية تحولت من أحزاب جماهيرية تؤطر وتؤدلج إلى ” أحزاب كارتيل ” Cartel Parties” ، وأصبحت وظيفتها الحصول على مناصب وامتيازات الدولة وليس تمثيل المجتمع مما ينتج عنه عزوف الشباب وانعدام الثقة لدى المواطن ، وهو التوظيف الذي يفسر انعدام الثقة الواسع وغياب الإدماج الحقوقي الذي شخصه الأستاذ “جمال الشاعري”، في تحليله لأعطاب العملية السياسية، وتفسر فشل الأحزاب السياسية في عملية تأطير االشباب وكل الفئات العمرية الأخرى .
المطلب الثاني : المشهد الحزبي المغربي في أفق استحقاقات 23 شتنبر 2026
في ظل اقتراب موعد تجديد 395 مقعدا بمجلس النواب ، يتسم المشهد الحزبي المغربي بجملة من السمات البارزة يمكن إجمالها في النقاط التالية:
1 – سوق الفائزين وظاهرة الترحال السياسي.
تشهد المرحلة الحالية سياقا محموما داخل المقرات الحزبية من أجل الظفر بـ (التزكية) للوجوه ذات الرصيد الانتخابي المسبق : النواب السابقون، رؤساء الجماعات ، والفاعلون المحليون ذوي الشبكات القوية ، وكذا الشخصيات ذات الصيت الفايسبوكي إلى حد ما.
وقد أدت صعوبة الحصول على التزكية في حزب معين إلى فتح ” أبواب الحزب المجاور ” أمام المرشحين ، مما يعيد تشكيل الخريطة الانتخابية عبر ما يعرف بظاهرة الترحال السياسي.
2 – إعادة تموضع الأقطاب الكبرى:
وفي هذا الصدد يمكن الإشارة على تحركين مهمين على رأس المشهد الحزبي الأغلبي ، الأول هو بروز حزب الأصالة والمعاصرة كأحد أبرز أقطاب الاستقطاب في نهاية الولاية التشريعية ، بعد التحاق شخصيات وزانة بأطر الحزب ، في المقابل ، يسعى حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة رئيس الحكومة إلى تشكيل ” إئتلاف تحت الضغط” يضم الأحزاب المتصدرة في تجاوز لنموذج التحالف الواسع وتبادل الاتهامات بين الحزبين خلال الأيام الأخيرة من عمر الحكومة الحالية .
3 – أزمة التمثيلية واتساع دائرة العزوف.
يشكل العزوف السياسي التحدي الأكبر أمام استحقاقات شتنبر 2026 ، ويشخص الباحثون هذا العزوف ، خاصة في الوسط الحضري ، على أنه فعل سياسي وفكري يعبر عن انعدام الثقة بين الطبقة السياسية وبرامجها الانتخابية التي تعتبر متشابهة بين كل الأحزاب ولا تعرف طريقها إلى التنزيل ، بينما يبقى التصويت بالعامل القروي على أنه تصويت علاقات تقليدية وقبلية وأسرية وحتى ريعية ، أكثر منه تقييما للسياسات العمومية ( مع العلم أن لكل حكومة إنجازات وإخفاقات بحسب الظروف والسياقات ، وإن كان أغلب المهتمين يشيرون إلى العديد من نقط الضوء في الحكومة الحالية بالمقارنة مع الحكومة السابقة من حيث البنية التحتية ، خصوصا الرياضية واستمرار مسلسل الدعم الاجتماعي والتحكم في معدل العجز التجاري ، إلا أنه على مستوى الاجتماعي والصحي لم تعرف الأمور تحسنا يذكر ، باستمرار ارتفاع التضخم والوضع الصحي المقلق وتراجع القدرة الشرائية وإن كان البعض يستحضر الظروف الدولية وانعكاساتها في هذا الخصوص.
4 – تشديد الإطار القانوني المنظم للأحزاب:
يتزامن هذا الاستحقاق مع إدخال تعديلات على القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية ، ومن أبرز مستجدات مشروع القانون 54.25 : اشتراط 12 مُؤَسِّساً على الأقل من مختلف الجهات من بينهم أربع نساء ، ورفع سقف التبرعات الخاصة إلى 800.000 درهم سنويا وتهدف هذه الإجراءات إل تحديث حكامة الأحزاب وضمان الشفافية في التمويل.
5 – إشكالية المناصفة والشباب بين الخطاب والممارسة .
رغم الخطاب الرسمي الداعم للمناصفة ، لا تزال الأحزاب تعتمد ” هندسة سياسية عتيقة” في توزيع الترشيحات ، مما يفسر بقاء نسبة النساء في مجلس النواب عند نسبة 24.3 % فقط.
6 – تأطير تقني وإعلامي جديد للعملية الانتخابية.
تميزت هذه الدورة بتقديم 702 لائحة ترشيح من طرف 27 حزبا عبر المنصة الإلكترونية وتغطية جميع الدوائر الانتخابية ، كما تم إقرار إجراءات جديدة تشمل حظر استعمال المحتويات المزيفة المولدة بالذكاء الاصطناعي ، وإلزام وسائل الإعلام بسحب الصحفيين المترشحين ، وإطلاق منصة ( الوكالة الرقمية ) لتصويت مغاربة العالم .
وكخلاصة : يمكن وصف المشهد الحزبي الحالي بحسب كل وجهة نظر على حدة، فالبعض يرى أن هناك ثنائية قطبية صاعدة في سياق أزمة تمثيلية مزمنة وسوق مفتوح للكفاءات الانتخابية مع ضغط متزايد على الأحزاب من أجل التجديد والمصداقية، بينما يذهب البعض الآخر إلى عكس ذلك بوصف المشهد أنه غير منسجم وَمُبَلْقَن ولا يستجيب لأي معيار من معايير اللعبة الديمقراطية التي تعرفها دول العالم المتحضر، مما سيزيد الوضع قتامة في المستقبل ، إذا لم تكن هناك نهضة تصحيحية في هذا الصدد، مع مؤشر بقاء نفس الأحزاب مسيطرة على الأقل بالنسبة للاستحقاقات القادمة في 23 شتنبر 2026 بعزوف سياسي منقطع النظير وببرامج تقليدية سوف لن تعرف طريقها للتحقق .
المحور الثاني : الاستحقاقات التشريعية على مستوى جهة فاس – مكناس. لأفق 23 شتنبر 2026.
تعتبر جهة فاس – مكناس نموذجا مصغرا للمشهد الوطني، لكن بخصوصيات اجتماعية واقتصادية وحزبية تمنحها ثِقْلاً خاصا في المعادلة البرلمانية ، لا من حيث الإطار التمثيلي والحزبي ( المبحث الأول) ولا من حيث الرهانات وتكهنات نتائج الاقتراع ( المبحث الثاني) .
المبحث الأول : الإطار التمثيلي والمشهد الحزبي بالجهة.
إن أول ما تجب الإشارة إليه هو أن المشهد الحزبي بالجهة لا يمكن عزله عن البراديكم السائد على المستوى الوطني ، ومن ثمة يمكن طرح السؤال : إلى أي حد تعكس دينامية المشهد الحزبي بالجهة أزمة التمثيلية العامة، وتكرس في الآن نفسه نموذجا للائتلافات الهشة المبنية على المصالح الظرفية بدل المشروع السياسي المندمج؟ مما سنحاول الإجابة عليه في مطلبين .
المطلب الأول : الإطار البنيوي والتمثيلي للجهة.
تشكل جهة فاس – مكناس نموذجا مركبا يعكس التحولات البنيوية والسياسية التي يشهدها المغرب في أفق الاستحقاقات الانتخابية لـ 23 شتنبر 2026 ، فمن جهة، تتميز الجهة ببنية ديمغرافية ومجالية متباينة تجمع بين قطب حضري تاريخي متمثل في مدينة فاس، ومجالات قروية وشبه حضرية تعرف هشاشة اجتماعية واقتصادية، مما ينعكس مباشرة على أنماط التعبئة السياسية والتصويت ، ومن جهة ثانية ، يتسم الإطار التمثيلي بالجهة بأزمة مزدوجة ، فالأحزاب السياسية تواجه أزمة تمثيلية ناتجة عن تراجع دورها التأطيري وتحولها إلى ” مقاولات انتخابية ” تبحث عن ” المرشحين القابلين للفوز ” بدل تأسيس علاقة ثقة مع المواطن ، ويتجلى ذلك في ارتفاع مؤشرات العزوف الحضري الذي يعد ” فعلا سياسيا” معبرا عن عدم الثقة ، مقابل استمرار ” تصويت العلاقات” في الوسط القروي.
مع العلم أن الجهة تضم تسع أقاليم وعمالات ” فاس ، مكناس ، تازة ، تاونات ، الحاجب ، صفرو ، بولمان ، إفران ، مولاي يعقوب . ووفق التقطيع الانتخابي المعتمد منذ 2021 تمثل الجهة بكتلة برلمانية مهمة في مجلس النواب تتوزع على دوائر محلية وإقليمية ، مع اعتماد القاسم الانتخابي على أساس المسجلين ، مما يرفع العتبة أمام الأحزاب الصغيرة ويصب في مصلحة الأحزاب ذات القاعدة التنظيمية.
وكخلاصة فإن أي دراسة عن المشهد الحزبي بالجهة يجب أن تنطلق من التفاوت البنيوي الذي تعرفه هذه الأخيرة على مختلف الأصعدة الصحية والتعليمية والتشغيلية وغيرها ، ومن ثمة فإن ” أزمة التمثيلية ” تتجلى في المعادلة التالية : (تصويت احتجاجي حضري بفاس والحواضر المحيطة ، وتصويت قبلي ، علاقاتي ـ بكل أشكالها الشرعية وغير الشرعية – بالوسط القروي.
المطلب الثاني : أهم السمات للمشهد الحزبي بالجهة.
ومن جهة أخرى ، وبالنسبة للإطار البنيوي والتمثيلي للجهة قيد التحليل ، فإن مستوى المشهد الحزبي ، تطغى عليه سمة هشاشة الائتلافات والترحال السياسي ، فالسباق الحالي على التزكيات أعاد تشكيل الخريطة الحزبية محليا كما هو الحال بالنسبة للمستوى الوطني أو التشريعي البرلماني ، حيث برز تواجد حزب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، إلى جانب حزب الاستقلال المحتكر التقليدي لحاضرة فاس، وانتعاشه نسبية لحزب الحركة الشعبية ، كقطبين رئيسيين للاستقطاب ، بينما تعرف التشكيلات الأخرى تراجعا أو إعادة تموضع، وتبرز بذلك دينامية قائمة على منطق الشبكات المحلية والوجوه ذات الرصيد الانتخابي ، على حساب منطق البرامج والمشاريع الجهوية .
كما تعرف الجهة صراعا للنخب التقليدية وتجديدها ، فالجهة تاريخيا تعتبر معقلا لحزب الاستقلال والنقابات ، لكن بعد سنة 2021 ستعرف بعض الأحزاب تراجعا كحزب العدالة والتنمية لصالح تقدم حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة .
وفي هذا الصدد تشير قراءة الأستاذ ” عبد الغني سرار ” إلى أن الأحزاب الطامحة بالجهة ستخضع لضغط ” تقديم مرشحين أكفاء وذوي مصداقية وتجنب التحالفات المبنية فقط على الحسابات الانتخابية .
ومن بين السمات الأساسية كذلك بالنسبة للمشهد الحزبي بالجهة نشير إلى أزمة
التأطير وعزوف الناخبين ، وهي نفس الملاحظة على المستوى الوطني ، فبحسب المختصين فإن الجهة تعاني من انعدام الثقة الواسع خاصة في أوساط الشباب الجامعي وذلك بسبب بطء تنزيل المشاريع، ضعف التواصل بين المنتخبين والمواطنين ، ظاهرة الفساد الانتخابي، واعتماد بعض الأحزاب على ” المنطق الانتخابي المؤقت ” بدل التأطير الدائم.
المبحث الثاني : الرهانات الجهوية والفرضيات الممكنة.
إن الرهان الأساسي على هذه الاستحقاقات القادمة يتمثل في قدرتها على إنتاج تمثيلية جهوية أكثر مصداقية قادرة على تحقيق مجموعة من النتائج وهو الأمر الذي يفتح الباب على مجموعة من التساؤلات التي يمكن صياغتها في صورة مجموعة من الفرضيات الممكنة تحقيقها.
المطلب الأول : الرهانات الخاصة بجهة فاس – مكناس في أفق 2026
بداية يمكن الإشارة إلى نقطة جد مغيبة أو يتم تغييبها عن المتلقي أو الناخب وهي الاختصاص الوظيفي لمؤسسة البرلمان أو للبرلمانيين كصوت داخل هذه المؤسسة، فهذا الأخير حسب الفقه الدستوري اختصاصه يتجاوز ما هو محلي أو جهوي إلى ما هو وطني أو فوق وطني، إلا أن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى دور هذا الأخير على الصعيد المحلي من باب الاجتهاد والحضور القوي والشخصية الكاريزماتية داخل المؤسسة الحزبية على الصعيد الجهوي أو المحلي مما يعود بالنفع على هذا المستوى، وعموما يمكن إجمال مجموعة من الرهانات والانتظارات التي تتطلبها الجهة من قبيل:
– التنمية المجالية:
​فالجهة تعاني من فوارق بين قطب فاس الحضري والمناطق الجبلية بتاونات وبولمان وتازة وصفرو ، فالانتخابات ستكون اختبارا محاسبيا حول قدرة المنتخبين على تنزيل برامج فك العزلة وتحقيق التوازن المنشود بين مناطق الجهة.
– التشغيل والجامعة:
إن كثافة الطلبة بجامعتي فاس ومكناس تجعل ملف التشغيل والبحث العلمي ورقة مركزية ، فالأحزاب التي ستقدم برامج وأقعية في هذا الباب ستكتسب نسبيا تعاطف الشباب.
– الدفاع عن الميزانية المحلية :
وفق الباحث” عبد الحفيظ يونس ” فإن عرقلة الميزانيات المحلية وتأخير المشاريع في مجالس الجهة والأقاليم تضر بالتنمية ويتضرر المواطنون وتتحول إلى سلاح انتخابي ضد الأحزاب الحاكمة، لِدَى وجب عليها الدفاع والمطالبة برفع هذه الميزانيات الجهوية.
– المصداقية وربح ثقة المواطن:
إن الرهان الأساسي المطروح على هذه الاستحقاقات جهويا، كما هو وطنيا ، هو قدرتها على إنتاج تمثيلية جهوية وخطاب سياسي أكثر مصداقية ، قادرة عل تجاوز منطق الترحال السياسي والفساد الانتخابي ، نحو منطق المشروع الجهوي المندمج ، فهل ستساهم نتائج 23 شتنبر في تقليص الفوارق المجالية داخل الجهة ؟ وهل ستفرز نخبا محلية قادرة على تفعيل مقتضيات الجهوية المتقدمة وتحويل، برنامج التنمية الجهوية 2022 -2027 إلى واقع ملموس؟
المطلب الثاني : الفرضيات العلمية لنتائج استحقاقات 2026 بالجهة
بناء على التشخيص البنيوي للجهة ومعطيات انتخابات 2021 وديناميات الترشيحات الحالية ، يمكن صياغة ثلاث فرضيات مركزية كالآتي:
1 – الفرضية الأولى: ” استمرار هشاشة الائتلافات وسيطرة منطق المال والشبكات ، بما يعني استقطاب المرشحين ذوي النفوذ المالي في اتجاه الحزبين الأحرار والبام ، مع ارتفاع تنبؤات العزوف الحضري بالمدن وبالنتيجة : برلمان جهوي ضعيف التمثيلية وغير قادر على الدفاع عن برنامج التنمية الجهوية 2022 -2027 وعلى رأس هذه التمثيلية نجد الحزبين المذكورين إضافة إلى حزب الاستقلال.
2 – الفرضية الثانية: ظهور أقطاب جهوية جديدة قائمة على المشروع الترابي، وهذا على المستوى المحلي وذلك بتراجع الأحزاب الوطنية الكبرى لصالح لوائح محلية أو وجوه مستقلة مدعومة محليا.
3 – الفرضية الثالثة : ” تجدر أزمة التمثيلية وتعمق الفوارق المجالية، إذ أن الاستحقاقات ستكرس التفاوت بين ( فاس ومكناس الحضريتين وهامش الجهة الجبلي والقروي ، مما يؤدي إلى الرفع من الاحتقان الاجتماعي في القادم من الأيام.

خاتمــــــــــــة :
يمكن القول أن استحقاقات 23 شتنبر 2026 لا تشكل محطة انتخابية عادية بل هي اختبار حقيقي لمدى قدرة الديمقراطية التمثيلية على الاستجابة للرهانات الجهوية والمحلية والوطنية ، خاصة بجهة فاس – مكناس التي تجمع بين ثقل حضري تاريخي وهشاشة مجالية قروية.
فمن خلال تحليل السياق السياسي والتشريعي والدستوري ، يتضح أن البرلمان المغربي يتوفر نظريا على اختصاصات واسعة في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية ، غير أن الممارسة الفعلية لا تزال تصطدم بإشكال ” التمثيلية ” وبمنطق الشبكات والمال الذي يفرغ الانتخابات من بعدها ” البرامجي ” وهو ما أكدته الفرضيات المطروحة سابقا.
إن الرهان الأكبر لهذه الاستحقاقات بالجهة لا يتمثل فقط في تجديد المؤسسة التشريعية ، وإنما في فرز نخب قادرة على الدفاع على الميزانية الجهوية وعلى الترافع عن ملفات الصحة والتشغيل والماء وعلى تفعيل مقتضيات الجهوية المتقدمة، فجودة التمثيلية البرلمانية ستنعكس مباشرة على قدرة الجهة على تنزيل برنامج التنمية الجهوية 2022 – 2027 وتقليص الفوارق المجالية بين مناطق الجهة .
وفي الأخير تبقى المسؤولية في هذا الصدد مشتركة : مسؤولية الأحزاب في تقديم عروض سياسية مقنعة ، ومسؤولية الناخب في تجاوز منطق العزوف والتصويت العقابي ، وعدم الانجرار إلى منعطف الرشوة، ومسؤولية الدولة في ضمان شفافية ونزاهة العملية الانتخابية ، فبدون ذلك، سنظل أمام ” برلمان دستوري قوي “، “وتمثيلية جهوية ضعيفة ” وهو الوضع الذي لن يقدم لا المشروع الديمقراطي ولا التنمية الترابية المنشودة بجهة فاس – مكناس.

تعليقات

لا تعليقات حتى الآن. لماذا لا تبدأ النقاش؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *